ابن الحسن النباهي الأندلسي

212

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

معارفه بدور الشذور ؛ وحصل الناس بولايته على طريقة عادلة من الشرع ، واعتضد منها الأصل بالفرع . ولمّا جرى في ميدانها ملء عنانه ، وشاع في الآفاق ما شاع من سموّ شأنه وعدل قضائه ، وفصل مضائه ، نقل من مالقة إلى غرناطة حضرة الملك ، وواسطة السلك - أيّد اللّه سلطانها ، ومهّد بعزّته أوطانها - فتقدّم بها لتنفيذ الأحكام ، بعد أن ولي وادي آش بأيام فهنيت منه الخطّة الشرعية بسيد مضطلع بأعباء القضاء ، قد شمخ من عزّ النزاهة بأنف ، وأمدّ من نور العقل ببرهان غير خلف ؛ ثمّ إنّ القدر جرى بتأخيره عن الخطّة ؛ من غير موجب سخطة . فكان في حالته كالبدر خسف عند الاستقبال ، وأدركه السوار بعد تناهي الكمال : [ المتقارب ] . إذا تمّ أمر دنا نقصه * توقّع زوالا إذا قيل تم وليست عوامل التأخير والتقديم ، بمستنكر دخولها على كلّ وال في الحديث والقديم ؛ فقد عزل عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - زياد بن أبي سفيان دون باس ، وقال له : « كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس » وعزل أيضا شرحبيل بن حسنة ، فقال له : « أعن سخطة عزلتني ؟ » قال : « لا ! ولكن « 1 » وجدت من هو مثلك في الصلاح وأقوى منك على العمل ! » قال : « يا أمير المؤمنين ، إنّ عزلك عيب ! فأخبر الناس بعذري » ففعل عمر ذلك . وكان صرف الشريف أبي القاسم عن قضاء الحضرة ، والخطابة بها ، في شهر شعبان من 747 ؛ فانقطع إلى تدريس العلم ، وإظهار عيونه ، والاشتغال بإقراء فنونه . وكان بينه وبين شيخنا إمام البلغاء أبي الحسن ابن الجيّات ما تقدّمت الإشارة إليه ، من المصادقة ؛ فصدرت عنه في أثناء تلك المدّة بدائع من المخاطبات ، وضروب المفاكهات ، منها قول الشيخ يرقب خطّة القضاء التي كأنّها تركت صاحبه ، وأهملت جانبه : [ السريع ] لا مرحبا بالناشز الفارك * إذ جهلت رفعة مقدارك لو أنّها قد أوتيت رشدها * ما برحت تعشو إلى نارك أقسمت بالنّور المبين الذي * منه بدت مشكاة أنوارك

--> ( 1 ) في الأصل : « ولاكن » .